مصطفى صادق الرافعي

206

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

امرئ إلا أن ينظر في خاصة نفسه وداخلة طبيعته ، فإنه ولا ريب مصيب فيها كل ذلك أو كثره أو كثيره . وهذه كلها عيوب تلحق الفصحاء وتقسم عليهم ، لا يكاد يسلم منها أحد ، وإنما يؤتون من جهة النفس في ضعفها أو اضطرابها أو غفلتها ، أو ما أشبه ذلك من حال تعتري وعرق يبزغ « 1 » ، وهي خصال لا تكون لأنفس الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، فإذا أضفت إلى ذلك أن نبينا صلّى اللّه عليه وسلم كان طويل السكوت ، ولم يتكلم في غير حاجة ، فإذا تكلم لم يسرد سردا ، بل فصل ورتل وأبان وأحكم ، بحيث يخرج كل لفظة وعليها طابعها من النفس - علمت أن هذا المنطق النبوي لا يكون بطبيعته إلا على الوجه الذي بسطناه آنفا ، وأنه بذلك قد جمع خصالا من إحكام الأداء ، لا يشاركه فيها منطق أحد إلى حد ، ولا تتوافى إلى غيره ولا تتساوى في سواه . اجتماع كلامه وقلته صلّى اللّه عليه وسلم ومن كمال تلك النفس العظيمة ، وغلبة فكره صلّى اللّه عليه وسلم على لسانه قل كلامه وخرج قصدا في ألفاظه ، محيطا بمعانيه ، تحسب النفس قد اجتمعت في الجملة القصيرة والكلمات المعدودة بكل معانيها : فلا ترى من الكلام ألفاظا ولكن حركات نفسية في ألفاظ « 2 » ، ولهذا كثرت الكلمات التي انفرد بها دون العرب ، وكثرت جوامع كلمه ، كما ستعرفه ، وخلص أسلوبه ، فلم يقصر في شيء ، ولم يبالغ في شيء واتسق له من هذا الأمر على كمال الفصاحة والبلاغة ما لو أراده مريد لعجز عنه ، ولو هو استطاع بعضه لما تم له في كل كلامه ، لأن مجرى الأسلوب على الطبع ، والطبع غالب مهما تشدد المرء وارتاض ومهما تثبت وبالغ في التحفظ . هذا إلى أن اجتماع الكلام وقلة ألفاظه ، مع اتساع معناه وإحكام أسلوبه في غير تعقيد ولا تكلف ، ومع إبانة المعنى واستغراق أجزائه ، وأن يكون ذلك عادة وخلقا يجري عليه الكلام في معنّى معنى وفي باب باب - شيء لم يعرف في هذه اللغة لغيره صلّى اللّه عليه وسلم لأنه في

--> ( 1 ) لم نزعم هذا زعما ولا أخذناه قياسا على ما نرى ، ولكن في لغة القوم ما يثبته ، فهم يقولونه : ارتك الرجل وفلان مرتك ، وإذا رأوه بليغا ولكنه متى خاصم عيي واستضعف . والمخاصمة من أظهر الأحوال التي تضطرب فيها النفس . ( 2 ) من أجل هذا المعنى وتمكنه فيه صلّى اللّه عليه وسلم كان يكره الإطالة في الكلام بما يجاوز مقدار القصد به ، وقد تكلم رجل عنده فأطال ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم : كم دون لسانك من حجاب ؟ فقال : شفتاي وأسناني . فقال له : إن اللّه يكره الانبعاق في الكلام ؛ فنضر اللّه وجه رجل أوجز في كلامه واقتصر على حاجته . والانبعاق : الاندفاع في الكلام ، وهو مظنة الخطأ ، وقلما سلم صاحبه من زلل ، لأنه أبدا إلى الزيادة عن معانيه وعن حاجته .